
قصة قصيرة (بين الواجب والوداع)
بقلم / أمل أبو العزايم رجب
كان نهارُ رمضان هادئًا، والناس تمضي في أسواق المدينة بخطًى متثاقلة تحت شمس أكتوبر التي تلمع كجمرٍ في السماء.
كانت أمل تحمل سلة صغيرة، تتنقل بين الباعة لتشتري ما تعدّ به إفطارها وزوجها بعد غيابٍ طال.
كانت تفكر في عبد الله، زوجها الضابط الذي ودّعها منذ أسابيع وهو يقول:
“كوني قوية يا أمل، فالوطن لا يُبنى بالدموع، بل بالعزيمة والإيمان.”
ابتسمت يومها وقالت وهي تمسك يده:
“يُقال يا عبد الله إن مصر لن تدخل حربًا الآن… فالوضع صعب.”
فأجابها بنظرة حازمة تشع إيمانًا:
“يا أمل، أتركي لنا بعض الأمل .
فضحكا ، وتابع قوله .
مصر كالأم… تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى أبناءها، ولا تترك أرضها أسيرة،نحن على موعدٍ مع التاريخ، فكوني فخورة لا خائفة.”
فقالت له: انت وعدتني أن تعود لنحتفل معنا بالعيد ….
فقال لها: إن شاء الله سنحتفل ……
وها هي اليوم، في العاشر من رمضان، تقف في السوق حين دوّى الهمس بين الجموع كالرعد المفاجئ:
“الحرب قامت!”
“الجيش عبر القناة!”
“النصر لنا بإذن الله!”
تجمّد الدم في عروقها، وتهاوت كلمات الباعة في أذنيها كأمواج البحر تضرب صخر الخوف في صدرها.
ألقت ما في يدها من خبزٍ وتمور، وهرولت نحو بيتها كأن الريح تسابقها، وهي تهمس لنفسها:
>”كيف؟! لِمَ لم يخبرني؟ أهان عليه أن يرحل دون وداع؟ أم أنّ الحرب باغتته كما باغتتني؟!”
دخلت بيتها تلهث، وجسدها يرتجف بين فرحٍ غامضٍ وخوفٍ عميق. جلست على المقعد الخشبي
تأملت صورته على الجدار، كأنها تسأله:
> “أأفرح بعبور القناة؟ أم أبكي خشية ألا تعود؟”
وفي غمرة صمتها، تسللت من المذياع أصوات الرجال تهتف:
> “الله أكبر… الله أكبر… عبرنا القناة!”
ارتجفت شفتاها، وغمرتها لحظة صمتٍ طويلة كأن الزمن توقف.
ثم قالت بصوتٍ تخنقه الدموع:
– «كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي… لكنني ما كنت أتصور أن الوداع سيكون قريبًا إلى هذا الحد.»
“يا عبد الله، ها قد صدقتَ وعدك… مصر عبرت، والوطن انتصر!”
رفعت رأسها نحو السماء وقالت بيقينٍ يشبه دعاء الأمهات على السجّاد:
“اللهم إن كان عبد الله على جبهة القتال، فكن له درعًا من نور، واحفظه كما يحفظ هو أرضك وشعبك.”
ثم ابتسمت رغم دموعها، وقد بدا وجهها كفجرٍ يتنفس بعد ليلٍ طويل، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالفخر:
“كم أنتِ عظيمة يا مصر… حتى في لحظة الخوف، تمنحين القلبَ سببًا للفرح!”
وفي كل مصر بيتٍ مثل بيت أمل ، وُلدت قصة بطولة، وارتفع علم مصر من جديد على جبين الشمس.
سلامٌ على من عبروا القناة، وسلامٌ على من انتظروا خلف الأبواب والقلوب ترتجف فخرًا وخوفًا.





